قضايا الإستراتيجية والتخطيط في التوجه نحو مُجتمع المعرفة

تمثل الرؤية والرسالة في توجه أي دولة نحو مُجتمع المعرف، مُنطلقاً للتخطيط وإعداد الخطط الإستراتيجية ووضع الخطط التنفيذية والمشروعات المرتبطة بها. وتقدم هذه الخطط خريطة طريق المستقبل، وتُعطي «نظرة استباقية» لاستغلال الفرص المُمكنة, والتعامل مع المشاكل المُحتملة. وربما يكون للطريق المرسوم أكثر من مسار وأكثر من جدول زمني تبعاً لأوضاع المتغيرات, لكن وجهة هذه المسارات والجداول تبقى نحو العمل على تحقيق فوائد الرؤية وتنفيذ وظائف الرسالة.
وتطرح الخطط المستقبلية موضوع الاستفادة من تفعيل دور المعرفة في المُجتمع من خلال قضايا التقنية والمؤسسات والإنسان وبيئة العمل. ولا بُد لهذه الخطط من أن تبدأ من دراسة واستيعاب الوضع الراهن لهذه القضايا, كي تنطلق بها إلى آفاق الطموحات المستقبلية المنشودة.
ويُمكن النظر إلى الخطط المستقبلية نظرة هرمية تكاملية تتكون من ثلاثة مستويات: المستوى الوطني أو مستوى الدولة, ومستوى المؤسسات سواء التابعة للدولة أو الخاصة, ثم مستوى الشراكة والتعاون بين المؤسسات. وتأتي خطط الدولة مُنطلقة من رؤيتها ورسالتها، وتُمثل الدولة هنا عنصر توحيد وتكامل بين الخطط, فهي الوحدة الإستراتيجية الرئيسة للوطن, ولا مُنافس لها، إلا أن تتنافس مع نفسها وتوفر لوطنها التميز عن الأوطان الأخرى والارتقاء المتواصل بأبنائها, وتحقيق التنمية المُستدامة. وعلى ذلك فخطط الدولة هي التي تستطيع تحفيز الخطط الأخرى وتفعيلها وتوجيهها باتجاه التطلعات الوطنية المطلوبة.
وعند مستوى المؤسسات, تعمل المؤسسات الحكومية في خططها الخاصة بمجالاتها المُحددة على الاستجابة لخطط الدولة وتطلعات المستوى الوطني، وتطلعات المؤسسات غير الحكومية والشركات الخاصة نحو وضع خُطط تحقق لها أهدافها وتُعزز طموحاتها. ويُؤدي التحفيز الذي يُمكن أن تُقدمه الخطط الحكومية إلى توجيه خطط هذه المؤسسات والشركات نحو التوجهات الوطنية المطلوبة.
وعند مستوى الشراكة والتعاون, تأتي الخطط التي تُعزز تكامل الأدوار بين المؤسسات سواء الحكومية منها أو الخاصة. وعلى الرغم من ضرورة هذا التعاون إلا أنه كثيراً ما يكون قسرياً لا يُحقق ما يُرجى منه. ومن المُفضل أن ينطلق من روح إيجابية تجمع المؤسسات في مصالح مُشتركة وتوجهات وطنية واحدة تتحقق فيها المصلحة العامة.
وفي إطار ما سبق, تجدر الإشارة إلى أن مسألة التعاون بين المؤسسات ليست معضلة محلية عربية فقط, بل هي مُعضلة أيضاً حتى في الدول المتقدمة, فقد وصف جون فلود John Flood" أحد الخبراء الذين عاشوا حياة مهنية توزعت بين مؤسسات الأعمال والجامعات، العلاقة بين هذين الطرفين بأنها «علاقة محبة وكراهية». والمعنى هنا أن المحبة تأتي من «تعاون الضرورة»، فمخرجات الجامعات سواء المهارات الإنسانية أو الأفكار البحثية تذهب إلى مؤسسات الأعمال لتوظيفها والاستفادة منها. يُضاف إلى ذلك أن ازدهار هذه المؤسسات يُعزز دور الجامعات في تقديم المزيد. أما الكراهية فنابعة من عدم الرضا بين الطرفين عن العلاقة بينهما. ويكمن الحل في التعاون الإيجابي ووضع خطط لهذا التعاون تؤدي إلى تفعيل دورة المعرفة بين الطرفين لمصلحة كل منهما من ناحية، ولفائدة الوطن ككل من ناحية ثانية.
ولعل المشكلة الأساسية في التخطيط على المستويات الثلاث, تكمن في التكامل وتوزيع المسؤولية. وما يجب أن يكون في إطار مُجتمع المعرفة هو تكامل «رؤى» خطط المؤسسات الحكومية والخاصة، و«رؤى» خطط الشراكة، مع «الرؤية» الوطنية العامة للدولة. ولعل ما يُساعد على هذا الأمر جعل التخطيط «تعاوُنياً» على المستويات المُختلفة. فلماذا لا تُشارك المؤسسات العامة والشركات الخاصة في وضع الخطط على المستوى الوطني؛ ولماذا لا تُشارك أيضاً في وضع خطط الجامعات. فالمؤسسات هي أداة توظيف المعرفة, وهذا التوظيف هو الذي يعود «بالفوائد» التي تنشدها الرؤى.
وفي إطار المسؤولية عن تنفيذ الخطط, يجب أن يكون هذا التنفيذ تكاملياً خصوصاً في قضايا المعرفة التي تشمل مُختلف جوانب الحياة. ومن أمثلة مشاكل مسؤولية تنفيذ الخطط, أن تنفيذ خطط مؤسسة حكومية يكون مسؤولية هذه المؤسسة دون أن يكون هناك ما يكفي من التكامل مع تنفيذ خطط الدولة العامة أو خطط المؤسسات الحكومية الأخرى. وقد قامت بعض الدول بحل مُشكلة التكامل هذه عن طريق ربط الخطط الرئيسة بهيئة واحدة, تفوق في مُستواها الحكومي جميع الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة, وتتبع رئيس الوزراء أو أعلى سلطة تنفيذية في الدولة مباشرة .
(أنظر كتاب برنامج مُجتمع المعرفة «منظومة مُجتمع المعرفة في عيون تتأمل وعقول تأمل». تأليف: أ.د. سعد علي الحاج بكري).
مالك زين العابدين
برنامج مجتمع المعرفة