English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

أبعاد بيئة العمل المعرفي


ليست أبعاد بيئة العمل المعرفي، الاجتماعية والمعرفية والاقتصادية والتنظيمية، أبعاداً مُنفصلة عن بعضها بعضاً، بل هي مُتفاعلة ومُتكاملة كالأعضاء في الجسد الواحد .
البعد الاجتماعي:  يمكن النظر إلى هذا البُعد من خلال محورين اثنين : محور يرتبط  «بالقيم الروحية»والمبادئ الأساسية التي تٌشكل مرجعية للمُجتمع وأبنائه في قضايا حياتهم المُختلفة وآخر يتعلق «بالعادات والتقاليد» التي تتكون في المُجتمع عبر الزمن تبعاً للظروف التي تمر بها . وبالطبع ليست العادات والتقاليد مُستقلة عن القيم، فهي تتأثر بها، لكنها لا تُعتبر بالضرورة جزءاً منها .
تعطي «القيم الروحية» ثوابت ترتبط بفطرة الإنسان وتكوينه، لذلك فهي تترسّخ في نفسه،وتصبح زاداً لحياته عبر العصور، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل. وعلى الرغم من أن «العادات والتقاليد» تنهل من القيم الروحية، إلا أنها تتأثر أيضاَ بعوامل الحياة المُختلفة الأخرى ومُتغيراتها . لذلك فقد تخضع للتغير تبعاً لمعطيات كل زمان ومكان ومُتطلباته . ونحن كمسلمين محظوظون في قيمنا الروحية. ولعل من بين أسباب ذلك أننا أمة «اقرأ»، هذه الكلمة التي تحث على المعرفة،بل وتأمر بها،هي أولى كلمات القرآن الكريم التي نزلت من عند الله على نبينا الكريم مُحمد صلى الله عليه وسلم . هذه الكلمة هي أهم زاد روحي للاهتمام بالمعرفة، واستكشاف مصادرها ونشرها وتوظيفها والاستفادة منها. وعندما نهلنا من هذا الزاد نجحنا والتاريخ شاهد على ذلك؛ وعندما أهملنا هذا الزاد جاءت الكبوات واحدة تلو الأخرى .
البعد المعرفي : ويتضمن شؤون : التعليم والبحث العلمي،والنشر والإعلام، بما في ذلك المرئي منه والمسموع،إضافة إلى المطبوع .
 يشكو كثيرون من التعليم التلقيني، وبالمقابل يشكو آخرون من أن طول المناهج التعليمية،وكثرة عدد الطلبة في الفصل الواحد،يجعلان هذا التعليم ضرورة لا بُد منها . لكن التوجهات الحديثة للتعليم تقضي بإتاحة الفرصة أمام الطالب، ليس فقط لتلقي المعلومات وحفظها، بل للتفكير فيها،والتفاعل معها، والمشاركة في نقدها، وربما تطويرها أيضاً .
ولعلنا نتذكر،في هذا الصدد القول الصيني الشهير:  إذا تحدثت إلي ( بمعنى التعليم التلقيني) فقد أنسى؛ وإذا أريتني (بمعنى التوضيح المرئي للمعلومات المعطاة ) فقد أتذكر؛ وإذا أتحت لي فرصة المُشاركة (في التفاعل مع هذه المعلومات تفكيراً ومُناقشة واختباراً) فسوف أفهم .
 على هذا الأساس نجد أن على التعليم أن يُفعّل مسألة المشاركة والفهم، والإسهام في تحويل المعلومة إلى معرفة،وليس الاكتفاء بمذاكرتها وحفظها فقط .
وهناك قلق من التعليم التلقيني،في التعليم العالي أيضاً . وفي هذا الإطار، يقول  ريتشارد برودهيدRichard Brodhead    رئيس  جامعة ديوك Duke University الأمريكية العريقة :  إن التعليم الجامعي ليس لقاحاً يأخذه الطالب،خلال سنوات الدراسة الجامعية،ليمارس به عملاً يحميه من البطالة مدى الحياة،بل إنه يتضمن تزويد الطالب بالإمكانات التي تسمح له بالتعلم الذاتي المستمر، والتفكير في القضايا المختلفة، والتاثير الفاعل فيها . وهذه نظرة أخرى تُركز كسابقتها على التفاعل الإيجابي مع المعلومات،وليس على تلقيها وحفظها بالأسلوب التقليدي .
 ولا شك أن التعليم المبني على التفكير والمشاركة،في جميع المراحل الدراسية يُشكل أساساً مُناسباً لبيئة صالحة،ينمو فيها البحث العلمي ويزدهر الإبداع والابتكار. فبذلك لا يقتصر خروج الأفكار الجديدة والمُبتكرات المفيدة على مراكز الأبحاث،وبرامج الدراسات العليا في الجامعات فقط، بل يُصبح أبناء المُجتمع جميعاً،مصادرَ لمثل ذلك .
ونأتي في إطار البُعد المعرفي إلى موضوع الإعلام ؛ وفيه مرُّ الشكوى من الكثير من المهتمين بالمعرفة والباحثين عنها . فالإعلام الذي نراه أمامنا،في المطبوعات،والإذاعة والتلفزيون، هو إعلام إخباري ترفيهي بالدرجة الأولى؛ وحتى الجزء الفكري المحدود منه،ينظر في أغلبه إلى الماضي،وفي أقله إلى المستقبل،ونادراً ما يطرح القضايا الأكثر أهمية لبناء بيئة معرفية تُسهم في الارتقاء بالإنسان،وفي دعم التنمية المستدامة .
 وتجدر الإشارة بالإضافة إلى ما سبق، إلى أن الإعلام،حتى في إحدى القضايا المفيدة للإنسان  كالرياضة يُركز على الجانب الترفيهي،وعلى استقطاب الجمهور بين نادٍ وآخر، دون أن يهتم بالقدر الكافي بأهمية ممارسة الرياضة لبناء جسم سليم قادر على العمل،وعقل سليم يقود هذا العمل بفكر وحكمة .
إن الإعلام الذي يصلح لأمة تتطلع إلى مُستقبل أفضل،وتسعى لإغلاق الفجوة بينها وبين الدول المُتقدمة،يختلف عن الإعلام في تلك الدول . إعلامنا يحتاج إلى شحن العقل والقلب بطاقة المعرفة والعمل والبناء،وبروح المستقبل المنشود طبعاً ليس بأسلوب مباشر جاف . بل بأسلوب جذّاب يفضي للمخاطبة الفعالة. ولا شك أن الإعلاميين هم اقدر الناس على إيجاد مثل هذه الأساليب.
البعد الاقتصادي: هذا البعد يرتبط بالثروات والمصادر الطبيعية المتوفرة  والنشاطات الاقتصادية القائمة،إضافة إلى الأداء والحصيلة الناتجة عن هذه الثروات والمصادر والنشاطات.
توفر الثروات الطبيعية لدولة من الدول إمكانات للاستثمار، وتعزيز النشاط الاقتصادي فيها . ولا شك أن الاستثمار من أجل المستقبل  يبدأ بالإنسان، فتأهيل الإنسان معرفياً، بالعقل والقلب معاً،يُمثل جوهر بنية النشاط الاقتصادي المعرفي الذي يقود إلى التنمية المُستدامة،ويعتبر الأداء الاقتصادي عن مدى نجاح النشاطات الاقتصادية  وهناك مقياسان هامان لهذا النجاح: الفاعلية بمعنى مستوى التأثير والفعل،والكفاءة بمعنى الحصيلة بالنسبة للمعطيات و وحد أدنى من الإسراف،أو تبديد الإمكانات
البعد التنظيمي: والمقصود بذلك التشريعات والإجراءات والممارسات التي تحكم النشاطات المختلفة . وهناك كلمة باللغة الإنجليزية باتت حالياً مصطلحاً لهذه المعنى،نذكرها هنا مع ترجمتها العربية المُتداولة وهي الحوكمةGovernance  . ولا تُستخدم هذه الكلمة على مستوى الدول فقط،بل على مستوى المؤسسات المختلفة أيضاً .
يمثل  البعد التنظيمي  أو  الحوكمة  عقلية الدولة أو المؤسسة صاحبة العلاقة في إدارة شؤونها . فللتشريعات والإجراءات والممارسات المكونة لهذه العقلية دور هام في تفعيل أو إحباط تأثير الأبعاد الأخرى على العمل المعرفي .
وتجدر الإشارة إلى أن أبعاد بيئة العمل المعرفي الأربعة،ليست محلية فقط،بمعنى أنها غير معزولة عن البيئة الخارجية،بل هي مرتبطة بها . وللبيئة الخارجية أبعاد أربعة أيضاً،لكنها تأتي من مصادر دولية متعددة،لكل منها تأثيرها تبعاً لقوتها في هذا البعد أو ذاك،أو ربما في جميع الأبعاد.

 مالك زين العابدين
برنامج مجتمع المعرفة

 
 
  imag