English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

مؤتمر اليابان والأسئلة الثلاث

إلى تلك الجزر المعجزة المرتمية في أحضان المحيط الهادي كان سعينا في طلب العلم لحضور المؤتمر السنوي للجمعية الآسيوية لأمراض الكبد حيث كان لنا (بحمد الله) بحثان مقبولان في المؤتمر، الأول حول فصائل فيروس الكبد (ب) المنتشرة في المملكة العربية السعودية والثاني عن استخدام (فحص المشي لمدة ست دقائق) في تشخيص مرضى الكبد. كانت المفاجأة الأولى أن مقر سكننا في مدينة (أوساكا) بينما مكان المؤتمر في (كيوتو) وقد ذكر لنا أن بينهما عشر دقائق عندما حجزنا الفندق فإذا بينهما في الحقيقة أكثر من ساعة بالسيارة، ولكن المفاجأة كانت سارة عندما علمنا أن هناك أكثر من خمسة أنواع من القطارات بين هاتين المدينتين وأن القطار الأسرع يقطع المسافة في حوالي ربع ساعة.
 كانت قطارات كأنها الساعات السويسرية في دقتها وتنظيمها، وكأنها الفنادق الراقية في نظافتها وأناقتها. تعاهدت مع أحد الأصدقاء المرافقين على أن نجد أي قاذورات مهملة فلم نجد ضالتنا أبدا.
 تتجول في أرجاء (أوساكا) فلا تكاد تصدق أن هذه الدولة كانت قبل حوالي ستين سنة أقرب ما تكون إلى الانقراض. اليابانيون مؤدبون جدا ومنضبطون في التعامل إلى درجة مستفزة، ولكنهم يبدون في الوهلة الأولى بلا عواطف كأنهم أجهزة (سوني) متطورة تعمل بلا كلل وعليها ضمان مدى الحياة. ولكن مع الاقتراب منهم أكثر تجدهم بسطاء وعاطفيون، وتتلمس نفس ثنائية العولمة التي اكتسحت بقية الشعوب: صراع محتدم بين المحافظة على التقاليد اليابانية العريقة في طبيعة الطعام ونظام الأسرة والعلاقات الاجتماعية وبين العصرانية بتبعاتها الرأسمالية العاتية، والناس بين هذا وذاك في شد وجـذب سلمي متناغم.
   كان المؤتمر مكتظا بالمشاركين. اهتمام الآسيويين بأمراض  الكبد كبير، حيث تنتشر بينهم فيروسات الكبد بشكل متفش خاصة فيروس الكبد من نوع (ب). وقد اكتظت ردهات المؤتمر بالبوسترات التي اعتصر الباحثون فيها خلاصات جهودهم ومساعيهم التي لا تكل في محاولة التوصل إلى اكتشافات جديدة في مجال تشخيص وعلاج أمراض الكبد أو طرح أفكار خلاقة وتصـورات مبتكـرة لحـل مشكلات مرضى الكبـد.
وألقت كل دولة متمثلة في مراكز أبحاثها بثقلها مفتخرة بجهودها وإبداعات أبنائها. وكما هي العادة المؤلمة كانت مـشاركة الـدول العربية والإسلامية ضعيفة جدا ما عدى مشاركات متميزة من تركيا وإيران.
وكانت مشاركتنا المتواضعة هي الوحيدة من دول الخليج ولاقت بحمد الله اهتماما طيبا. كانت الأجواء في أروقة المؤتمر تنبض بالعلم نبضا، يقف كل باحث أمام بحثه يناقش ويجيب عن الأسئلة، يتيح لك هذا الجو أن تتعرض للأفكار في مهدها وتشارك في تصورها وتطويرها قبل أن تصبح حقائق علمية. يتيح لك أن تضع يدك على نبض تخصصك فتعرف ما سيظهر فيه في السنوات الخمس القادمة حيث تشكل هذه الأبحاث الأولية المادة الخام للاكتشافات العلمية التي ستظهر في المستقبل. بإمكانك أن تناقش أي عالم في أي فكرة من دون موعد مسبق ومن غير أن تدفع أي ريال. تذوب الفوارق الجنسية والعرقية ويجتمع الجميع على تدبر الفكــرة الجديـدة والبحث المتميز.
ولكن الفوارق التي لا تستطيع تجاهلها وتصدمك فتعكرعليك هذا الجو هو حجم الدعم المتوفر للمراكز المتميزة، دعم غير محدود من الناحية المادية والإمكانيات. تحدثت مع طبيب باحث من هونج كونج كان يزاملنا في كندا فقال أنه أخذ منحا بحثية بأكثر من مليون دولار حتى الآن لإتمام بحث في جزئية حول فيروس (ب) وأن لديه مختبران متفرغان لبحث هذه الجزئية يعمل فيهما أربعة خبراء متفرغين تماما مؤهلين على أعلى مستوى، كما أن لديه دعما غير محدود من جامعته التي تضم أكثر من مائة وأربعين باحثا في مرحلة الماجستير والدكتوراه وما بعدها ستة وعشرون منهم متفرغون فقط  للبحث في أمراض الكبد. هذا الزميل الصيني يعمل في العيادة يومين في الأسبوع ويدرس نصف يـوم ويتفـرغ للبحـث العلمي بقيـة الأسبوع.
 في طائرة العودة، راودتني الأسئلة ذاتها التي تنتابني بعد كل مؤتمر: هل هناك فرصة حقيقية لنا للمنافسة حتى على المستوى الآسيوي (دع عنك المستوى العالمي) في الأبحاث العلمية الطبية في ظل الدعم الحالي؟ هل هناك مبرر للأمل بتحسن الدعم المادي والفني والبشري للبحث العلمي في جامعاتنا في ظل الاهتمام الوطني المتنامي بهذا الموضوع وفي ظل الاهتمام الكبير الذي بدأنا نلمسه في جامعتنا ؟ ولكن السؤال الأكثر جوهرية وأهمية بعيدا عن اسطوانة التشكي من قلة الدعم هو: هل نحن معنيون بالبحث العلمي أصلا  أعضاء هيئة تدريس ومجتمعا وهل يشكل لنا أولوية؟ وإلى المؤتمر القادم بإذن الله...

* استشاري أمراض الكبد بمستشفى الملك خالد الجامعي

 
 
  imag