ثقافة التعلم

د. عبدالعزيز بن محمد العثمان
أبنائي الطلاب ، لماذا تدرسون ؟ لماذا تتعلمون؟
نلاحظ أن كثيراً من طلابنا يبحثون عن تسهيل المادة بحذف جزء من المقرر ويستميتون لتحقيق ذلك، فيذكرون لأستاذ المادة أمثلة من الأساتذة الذين يحذفون الجزء الأول أو الأخير من المقرر ويعتبرونه الأستاذ المثالي، ويصر آخرون للحصول على مذكرات مختصرة للمحاضرات من أستاذها، ويبحث البعض عن ملخصات للمادة عند محلات التصوير أو الطلاب المتميزين، ويفرح الغالب عند إلغاء محاضرة. وسلسلة طويلة من التصرفات التي تصب في محاولة التخلص من العلم خوفا من امتلاء المخ بالمعلومة فلا يعود فيه مجال للعلوم الأخرى، والواقع أن مخ الشخص الواحد لا يستعمل منه إلا 10%، فهو يستوعب أكثر من مكتبة الجامعة بكل كتبها ولغاتها.
لا بد أن بعض الطلاب (طلبة وطالبات) ممن يقرأ هذه المقالة يبحثون عن مبرر لعدم فهمها أو الاهتمام بها بكون المادة حفظ (دش كما يقولون) ، ويفترض المتعلم أن التعليم يجب أن يكون بالفهم فقط، بل إن بعض الطلاب يقترح استبدال موضوع بآخر أو مادة بأخرى بحثاً عن السهولة دون أن يعرف لماذا وضعت تلك المادة أو اختير ذلك الموضوع ضمن الخطة الدراسية.
إن هذه التصرفات لا توجد في الدول المتقدمة ، بل يبحث المتعلمون عن المزيد من العلم ، والفرق بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم أن الطالب هنا لا يشعر برابط بين المادة الدراسية والعمل بعد التخرج و قد لا تفيد بعض المواد الدراسية في الحياة اليومية .
ذكر لي المبدع الدكتور إبراهيم ابو نيان أنه أثناء دراسته البكالوريوس في أمريكا لاحظ أن فتاة صغيرة تحضر إلى قاعة محاضرة الرياضيات، فتوقع أنها بنت المحاضر، وعند إعلان النتائج وجدها تبكي بحرارة فسألها هل يستطيع أن يقدم لها مساعدة فعلم انها حصلت على تقدير «ب» في المادة فأخبرها أن جميع الطلاب لم يحصلوا على هذا التقدير، فسألها عن سبب حضورها معهم فذكرت له أنها في المرحلةالثانوية وأنها تحضر لتتعلم رياضيات متقدمة أفضل من مقررات الثانوية.
أكتب لكم هذا المقال من أرامكو السعودية وقد لاحظنا أنه تم اختيار كل الموظفين بناء على قدراتهم في اللغة الإنجليزية والمحصول العلمي والمهاري وقدرتهم على التعبير عن أنفسهم وخططهم المستقبلية وليس بناء على تقديراتهم فقط، كما لاحظنا فاعلية العمل وتقييمه باستمرار ومحاولة كل موظف أن يطور قدراته وإلا فقد ترقيته.
قال أحد المهندسين الكبار أن امرأة تحفظ كل شيء عملته ولم تنسه خلال الخمس وعشرين عاما الماضية ، فقيل لها لا بد أنك كنت متفوقة في دراستك، قالت لا فلا أتذكر أية معلومة من المدرسة لأني قرأتها ولم أرها، وما أتذكره هو مارأيته بنفسي. ما حصل لهذه المرأة يحصل لنا جميعاً، فلا نتذكر الكثير مما تعلمناه في المدرسة والجامعة، ولكنها كانت الأساس في تعلمنا وعملنا، ولكن الحقيقة أن أفضل ما نملك من معلومات أو مهارات لم نحصل عليها من قاعة المحاضرات، بل تعلمناها بأنفسنا لأنها تقع ضمن اهتمامنا بغض النظر عن أهميتها للجميع، وهو مانحاول تطويره لدى الطالب من خلال التعلم الذاتي.
إن تلك العوامل لابد أن تؤخذ في الاعتبار إذا ما أردنا أن نتعلم علماً يبقى معنا طوال حياتنا العملية ونستثمره لمستقبلنا. إن كل علم لا يبنى عليه عمل لا فائدة منه، وعلينا أن نثق في نظام الجامعة ليختار لطلابها الأهم من المواد الدراسية والأسس الرئيسية لبناء العلم، وعلى الأساتذة أن يؤدوا تلك الأمانة بكل عناية ويبحثوا عن أفضل الطرق لإيصالها لتكون مقنعة ومفهومة، لا أن تكون كلمة محفوظة فقط فلا نحتاج لإضافة نسخة من كتاب لرفوف المكتبة، لكننا نحتاج لعقل يفهم ويعي المعلومة ثم يستطيع أن يحولها إلى منتج مفيد بالطريقة المناسبة للمتعلم ولمجتمعه.
عميد السنة التحضيرية