ماذا بودّك أن يقول الآخرون يوم تقاعدك؟

د. معدي بن محمد آل مذهب
تكريم الجامعة اليوم للمتميزين والمتقاعدين له جانب تنظيمي ومردود ايجابي، ليس على المكرمين فقط بل أيضا على الجامعة والمجتمع. ففي ظل الحراك المستمر والتغيير والتطوير الذي تشهده الجامعة، يأتي تكريم المتقاعدين رمزا للوفاء وعرفانا بالعطاء، ويبرز تكريم المتميزين عنوانا وشعارا للأداء المتميز والمنافسة الشريفة. إن من ميزات المنظمات الناجحة الاهتمام بموظفيها ابتداء بمرحلة الاستقطاب وانتهاء بالتقاعد. وهناك مقولة إداريـة متعارف عليها تشير إلى أهمية تعاقب خطوات إدارية تجسد الدورة الحياتية للموظف، يمكن اختصارها في: يجب العناية باختيار من تُوظف، وتحفيزه وإلهامه بعد توظيفه لكي يُنتج، ثم إعداده للتقاعد وجعله يفتخر بأنه تقاعد من المنظمة التي كان يعمل بها. وهي معادلة صعبة التركيب، عناصرها طبيعة عمل المؤسسة التي نعمل بها، والموظف، ومسؤوله المباشر وغير المباشر، والأنظمة واللوائح والسياسات، والسلوكيات والممارسات، والقيادة، والثقافة التنظيمية.
يدرك المسؤولون في الجامعة أن للتحفيز أنواع، وأن سبل الشكر والعرفان تتعدد، ويعلمون ما يحدثه ذلك من أثر ايجابي على منسوبي الجامعة، إلا أن أنظمة الخدمة المدنية تقف عائقا في أغلب الأوقات أمام كل مسؤول يريد مكافأة متميز... خاصة من الناحية المادية، مع أن البعض قد يرى أن التحفيز المعنوي أهم وأكثر ايجابية من التحفيز المادي- (قل لي كلمة (شكرا) وسأعدك بأنني سأعيش عليها حتى تقويم الأداء السنوي التالي)، مقولة تتردد في مراجع تقويم الأداء والتحفيز التي تُدرس لطلاب الإدارة. والجامعة عندما تُكرم المتميزين فهي تتميز بذلك على كثير من المؤسسات التعليمية المشابهة وغير التعليمية، وتسن سنة حسنة يمكن أن يُقتدى بها في مجال تكريم المتميزين والمتميزات ذوي الأداء العالي.
والاحتفال بالمتميز والمتقاعد في مناسبة واحدة له دلالة إدارية - عملية. ففي أحد التمارين التي تستخدم أثناء الدورات التدريبية لحث المتدربين وإلهامهم للتميز، طُرح سؤالا على المتدربين يتضمن التالي: تخيل أنه يوم تقاعدك، وأن رئيسك وزملاءك أقاموا حفلا تكريما لك، وسيقول كل منهم كلمة عنك... ما ذا بودك أن تسمعهم يقولون؟ ومع أن جميع المتدربين سردوا عشرات الصفات والسلوكيات الإيجابية التي بودهم أن يستمعوا إليها من المتحدثين عنهم- وهذا أمر طبيعي جميعنا لا ننكره- إلا أن السؤال التالي في التمرين كان أشد صعوبة وأكثر تحديا. لقد كان السؤال كالتالي: إذا كان هذا كل ما تود أن يُقال عنك، فماذا أعددت لذلك، ماذا ستفعل لكي تسمع عنك ما رغبت أن تسمعه؟
إن التميز يحتاج إلى عمل جاد، ونكران ذات، وعلو همة، وشرف مقصد، وصبر مستمر، وهو مشوار طويل، وعملية تراكمية تحتاج إلى جهد..يخالطه عناء ويحتاج إخلاص وصفاء نية واحتساب وتفان دون تكلف، ويتطلب ما يُصطلح عليه إداريا (بالمواطنة التنظيمية) التي يتطوع الموظف من خلالها لممارسة عمل صعب، يؤدي مهمة ليست مذكورة في الوصف الوظيفي، أو يدلي بفكرة تطويرية يتابعها حتى تنضج وتُطبق، أو يعمل ساعات زائدة دون مقابل مادي، وقد يحتاج - كما يعتقد أحد الزملاء- إلى رئة فيل في التحمل والتعامل مع الآخرين، أو يعتذر عن كثير من المناسبات الاجتماعية لأداء عمل يجب تسليمه في موعد محدد، وربما أعتاد عليه رجل الأمن عند تردده في أوقات يتمتع الآخرون فيها بإجازة نهاية الأسبوع.
هنيئا للمتميزين والمتميزات من الموظفين والموظفات، وشكرا لمن تقاعد وعلّم أجيالا هي المكسب الحقيقي والثروة الدائمة لكل عضو هيئة تدريس يدركها من يقابل طلابه بعد فتره من تخرجهم، ولكل موظف خدم في الجامعة الأم وساهم بطريقة مباشرة في تخريج هذه الأجيال. إن الجامعة بحاجة لكل مخلص ومفكر حتى لو تم التقاعد والانفصال بقوة النظام، فالموظفون هم وقود الجامعة الذي يحترق من أجل خدمة الآخرين، وهم شركاء في كل إنجاز سابق أو لاحق. ولهذا، فإن تكريم المتقاعدين حق وواجب، والاحتفال بالمتميزين الذين على رأس العمل شرف - للمُكرَّم والمُكرِّم- يُعدّ من أعلى المراتب.
وكيل عمادة شؤون أعضاء هيئة التدريس والموظفين للتطوير والجودة