English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

  صيف بألوان الطيف!

 عام دراسي جديد يُطل علينا بعد أن طوى خلفه سنة ماضية ذهبت بما تحمله من أفراح وأحزان عشناها. وصيف مضى علينا كارتداد الطرف على الرغم من مقاربته للرقم القياسي كمدة إجازة دراسية للطلاب. والكيّس الفطن من علم كيف يطوّع صيفه بما يعود عليه بالنفع. أما أنا فكانت لي قصة أخرى وتجربة مثيرة مع تلك الإجازة التي طرقت باب الأربعة أشهر وخرجْت منها بأربعة استنتاجات أختتم بها هذه المقالة،قد يخالفني البعض في أجزاء منها لكنها كانت بمثابة المحك الحقيقي لمن أراد تجربة (المجتمع) بشتى ألوانه وأطيافه.

بدَأَت حوادث ذلك الصيف عندما قرّرت البقاء في الرياض لتسجيل (فصل صيفي) لإحدى المواد الدراسية، وفي الوقت ذاته أردت أن أحرق لهيب (العاصمة) وحرّها بما أستفيد منه. فاستقر بي التفكير على أن العمل هو الملاذ الوحيد لإطفاء (نيران) الرياض،تلك المدينة التي يهرب شبابها منها إلى (كبري الفحص وطريقي الثمامة والقصيم) إن لم تكن رحلتهم إلى شرق البلاد (المعمورة). وأوّل سؤال ارتسم في ذهني عن طبيعة هذا العمل الذي سيمحو آثار الملل الذي لطالما اشتكى منه مَن كان على رأس أي وظيفة كانت؛ عندها لمع في مخيلتي بارق الإجابة، بأن أكون بائعاً للملابس النسائية!! واعفوني من التعليل حتى لا تأخذ البعض (نعرة الإفراط). توجّهَت بي خطاي إلى إحدى الأسواق الكبيرة في الرياض،وتوفّرت لي وظيفة في أحد المحلات (المرموقة). كنت أسير إليه كما يسير القارب إلى الشلال،لا أعلم بما قد أخفاه القدر. دخلت ذلك المحل وقد ارتكز على هرمه المدير (الذي تربطني به صلة العروبة)،وبجواره (عامِلان) من إحدى الدول الآسيوية. ألقيت عليهم السلام وناولت المدير ورقة تعييني في المركز من صاحب الشركة. أخذ (الرئيس) الورقة وبدأ بقراءتها إلى أن وصل لمقدار الراتب حتى كاد أن يغشى عينيه الحَوَل مما أتقاضاه شهرياً كبائع (سعودي) مبتدئ. كنت وقتها هامداً مثل كومة (الرماد)،لم أعلم بأنه لا فرق بيني وبين (كارنارفون) حينما دخل قبر (توت عنخ آمون)!! لكني أيقنْت بأن الأرض خضراء والقطيع معتل. أخذ بيدي بعد أن استرد عافيته من الصدمة وبدأ يشرح لي ماهيّة العمل إلى أن فرغ من تعليماته (الصارمة)،وتركني لأولى المهمّات التي أسْنِدت إلي وهي إخراج البضاعة من الصناديق وترتيبها،ولك أن تتخيّل عزيزي القارئ أربعة صناديق،في كل صندوق ما لا يقل عن سبعين إلى ثمانين سترة،أي ما يقارب الثلاثمائة قطعة،فآثرت الصبر على الضجر،وقمت بترتيب المئة الأولى،تلتها الأخرى،وشرعت بالأخيرة وكل ذلك على مرأى من زميلي (كومار) الذي كان لا صنعة له سوى التأمل في ديكور المحل. فقلت له: يا كومار.. تعال وساعدني بدل ما توزّع ابتسامات على الجدراي. فإذا بصيحة ارتعدت لها جَنَبات المحل: سفاااااااااار.. تعالا هون.. هكذا أطلقها عنيفة (الرئيس العربي). ذهبت إليه وأنا قلق مما قد أصابه،فقال لي: إنتا ما دخلك بكومار،متلك متلو،مافي بيناتكُن فرق،أنا مديرو لكومار ولإلك،وأنا اللي بوزّع الشغل عليكون. وما كان مني إلا أن رددت عليه (بلهجته): إي مو على راسي معلمــــي. وأكملت ما طُلِب مني من ترتيب. وحدث بعدها أوّل اصطدام بامرأة،كانت تبحث بين الملابس بشراهة بلهاء وهي تُسقطها يمنة ويسرة،حتى خِلْت بأن مفقوداً لها قد سقط وسط القمصان. نادتني قائلة: ياخي ما عندكم مقاس46؟! . فأجبتها: يا خالة.. أكبر مقاس 44, وبعدين إذا ما عليكي أمر قولي لي وش تبين وأنا أعطيك من دون ما تحوسين علي المحل. نظرت إلي باستحقار وقالت: وانت وش شغلتك.. مهوب ترتب اللي نخرّبه؟. عندها آثرت السكوت على جدال بيزنطي مع (الوقاحة)!. توالت الأيام بعدها بتوالي النساء،وقد تفاوتْن في أخلاقهن وتعاملهن باختلاف مواطنهن،فقد كان (لبنات البلد) نصيب الأسد في الولوج للمحل (متأملات) والخروج منه (مخرّبات)،وكان معظمهن على شاكلة (أم 46) أخلاقاً بلا حياء يُرتجى منهن،ناهيك عن التغنّج و(الدّلع الماصخ) والمياعة إلا من رحم ربي حتى لا أظلمهن. أما نساء الجاليات العربيّة فقد كن خير سفيرات لبلادهن في الأدب والاحترام والحصول على المطلوب دون الاستعانة (بفلان أو علان)،وإن كن متبرّجات فوالله لا يقارن تبرجهن بمن هن متنقّبات متبرقعات لاثمات. ووقع النفس من نظرات بناتنا ورموشهن (الكحيلة) لهو أشد وطأة ممن تبرّجت وخرجت وهي تعلم بضوابط السوق وما لها وما عليها أحق المعرفة. أما الأدهى والأمر من ذلك بل ما يحز في النفس أن أجد من الأمريكيات والبريطانيات مالا أجده في بعض نسائنا من عفّة والتزام بالحدود المشروعة بين البائع وبينهن،وخشيت معهن بأن أرد على الأديب (عبدالله الداود) بقولي: بلى.. قد كذب التاريخ،قد كذب التاريخ!!. هي قَصص كثيرة في ذلك الصيف لا تحصى في هذه الأسطر،ومع كل قصة وقصة تعابير أقف عندها وأتحسّر على جهلي!!،لكنها أثبتت لي تلك المواقف بأن الإنسان يتعلّم من أصغر الأمور،ومن كل طريق يشق غماره فيه. أما الاستنتاجات التي ذكرتها سالفاً من تلك الإجازة فهي تتمحور في أمور أربعة: الاستنتاج الأول: في هذا الصيف تسنّت لي فرص وظيفيّة دون تكبّد لعناء البحث،فعملت كبائع ملابس،ومن ثم كأمين صندوق (كاشير) في أحد المقاهي،واختتمتها كموظف استقبال في أحد الفنادق. وما ذلك إلا رغبة مني في قطع هذا الشك باليقين: بأن (اسطوانة) البطالة التي يرددها شبابنا هي: كذبة صدّقها من أبى العمل!! الاستنتاج الثاني: وصَدَق فيه مارتن لوثر كينج بما قال: لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً. إذ اكتشفت بأن الرؤساء (ما ينعطون وجه)،وبأن المتفاني (المجتهد) لا نصيب له إلا في زيادة أعباء العمل،وأما (المطنّش) فقد علم كيف يدير أموره و(يطفّش) مديره الذي لن يوكل إليه أي مهمات لعدم كفاءته!!

الاستنتاج الثالث: وتذكرت به والدي أطال الله عمره؛ حيث كان من أشد المعادين لذهاب النساء للأسواق، وقد كان يطلب من أهل البيت تسجيل ما يريدون بورقة من نوع للباس والمقاس واللون، وهو يأتي بما يراه مناسباً، وإن لم يستحسنوه ذهب واستبدله بآخر إلى أن يروقهم. وأنا (بدوري في هذا الصيف) أطالب من الأولياء على أهاليهم بإحياء ما سنّه والدي (إن لم يكونوا ممن يرافق ذويه)؛ حتى توفر الدولة أسواقاً نسائية بالكامل من مشترين إلى باعة، وذلك بعدما رأيت (بأم عيني) من (تكشّخ) للبائعين والذين يكونون عادة من ذوي الأعين الخضر والزرق والشعور الحمر والشقر حتى تسنح لهم الفرصة في الانقضاض على ضعيفات القلوب!! الاستنتاج الرابع والأخير: واسمحوا لي فيه بأن أحيّي تلك الفئة التي فضّلت الصعاب على العذاب بالذهاب لديار الأحباب من شمال شامّي أو من مغرب أفريقي عربي، وكلما توغّلَوا في الانحدار للمغرب العربي كلما ازدادت فرص اختيارهم الصائب!! واعذروني إن كان في الاستنتاج من غموض،فهي رسالة من تحت الماء لمن فاتتها رحلة القطار!!

 سفر بن مريع القحطاني

 
 
  imag