لتكون الرسالة.. رسالة!
ليس من العقل أن نبكي على اللبن المسكوب، فيندب أحدنا حظه ويضيع وقته في التحسر على ما فاته في المرحلة (الثانوية) التي غالبا ما تحدد مسار تخصصه الجامعي.
والعقل أن يفكر الواحد منا بإيجابية وسيجد الأبواب مشرعة أمامه لتطوير نفسه وتحقيق أهدافه، وليس تحول المرء عن التخصص الذي يريده أمرا سيئا في الحقيقة.
لكن الأمر السيئ فعلا هو أن تقضي حياتك الجامعية حبيس تخصص تكرهه، فتصبح أيام دراستك سجنا لا مفر منه، والذهاب إلى الجامعة عذاباً، والاختبارات جحيماً لا يطاق، والمقررات الدراسية تعذيباً من نوع آخر.
إلا أنك ستنسى مع الأيام أنك تدرس أصلا، فيغيب شيء من الألم مع الروتين اليومي، وفي تلك الحالة أنت بين أمرين، أحدهما أن تنظر إلى الأمور نظرة سوداوية، وتتجرع المرارة يوما بعد يوم، وكأن عالمك متوقف فعلا، وعالم التخصص الذي في خيالك يمر كطيف أو سراب. أما الموقف الثاني فأن تنظر إلى الأمور بإيجابية، لتدفع نفسك إلى حب التخصص الجديد، والتركيز على نقاط قوتك فيه فتزيدها، ونقاط ضعفك فتقومها، وستكتشف أنك خلال فترة قصيرة أصبحت على الأقل تستجيب لمتطلبات دراستك بدلا من جلد الذات الذي لا مبرر له.
أما أكثر ما أتعجب منه فهو أن يدرس طالب في الدراسات العليا في تخصص لا يتوافق مع ميوله واتجاهاته وقدراته، فيضيع سنوات من عمره بلا طائل، خاصة إذا كان يعاني في دراسته الجديدة كثيرا.
والأولى بنا جميعا أن ندرس في تخصص نحمل رسالته، ونؤمن بأهميته على مستوى من المستويات، وكل التخصصات العلمية مهمة لبلادنا دون شك.
لكنني أؤمن بأن التخصص في الدراسات العليا يجب أن يكون هدفا استراتيجيا في حياتك، لأنه لا يحتمل الارتجال، فإما أن تكون متخصصا بحق تحمل رسالة التخصص، وإما أن تعود أدراجك لتبحث عن تخصص تجد في نفسك الحماس له.
إن الرغبة في التخصص هي مفتاح النجاح في الدراسات العليا، خاصة إذا وصلت إلى مرحلة البحث، لأن الرسالة لا تثبت فاعليتها إلا إذا كانت فعلا رسالة يحملها الباحث معه في كل مكان، وتصبح همه الأوحد وتشغل كامل تركيزه فتكون رسالته الجامعية رسالته في حياته فعلا.