English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 
 

قليل من الحوار كثير من الخصومة

 «إذا جئتني وقبضتك منكمشة أعدك أن قبضتي ستكون أشد منك، وإذا جئتني تقول دعنا نجلس ونتحاور وإن اختلفت آراؤنا لنفهم الخلاف عندئذ نكتشف أننا لا نختلف كثيراً، وإن كان لدينا الصبر والأناة والنية على الاتفاق فإننا  سنتفق». أودور ويلسون.

لقد أصبح الحوار مطلباً حضارياً وضرورة ملحة في هذا الوقت الذي كثر فيه الجدل العقيم والخلاف والاختلاف بين كثير من الناس وفي كثير من القضايا ووجهات النظر، فمن سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه وقوع الاختلاف فيما بينهم في الشكل واللون والكلام والتوجهات. ويسعى كل إنسان إلى إثبات وجهة نظره وقد يظهر له خطأه فيعود إلى الحق أو يتأكد من صواب رأيه فيستفيد هو ويفيد غيره.

فالحوار المثمر هو الميناء الذي ترسو عليه سفننا، وقد أولى الإسلام عناية كبرى بالحوار ففي القرآن الكريم اتخذ الحوار مجالات كثيرة فقد حاور الله ملائكته وأنبياءه وعباده، فالحوار وسيلة قرآنية للتعامل وتعليم البشرية، ولنا أيضاً في رسولنا الكريم أسوة حسنة في كل حياته وما تضمنته من الحوار مع الناس صغاراً وكباراً مؤمنين وفجاراً أصدقاء وأعداء؛ فهو محاور البشرية الأول.

إن غياب الحوار في حياتنا يعني غياب الحب والتفاهم فنحن في حاجة ملحة للتصالح مع ذواتنا ومع الآخرين لذلك لابد لنا من التدرب على الحوار الناجح وترسيخه في النفس، فالحوار قرين اللطف والأدب، فبالكلام الطيب والصوت الهادئ وحسن الاستماع والابتعاد عن مقاطعة الطرف الآخر وعدم السخرية منه وإنهاء الحوار بأدب حتى وإن لم يتفق المتحاوران على رأي واحد فإننا بذلك نكسب احترام الطرف الآخر وتقديره.

وللأسف الشديد نرى في العديد من وسائل الإعلام والفضائيات وغيرها غياب روح الحوار فالصراخ والاستئثار بالحديث لطرف دون الآخر والتهكم والعصبية هو السائد في هذه اللقاءات الملغمة والتي يسمونها حوارات!

نحن بحق نعاني أزمة في الحوار، وهذا الخلل يرتبط بأزمات كثيرة في الفهم والتلقي، إن الحوار ليس  مقارعة ولا ميدان قتال، وما نطمح إليه هو حوار بناء مثمر، وإنني أتساءل: كيف نريد من الآخرين أن يقتنعوا بوجهة نظرنا ونحن قد ملأنا قلوبهم بالضغينة والحقد والسخط والاحتقار؟!

قال لنكون قبل أكثر من مائة سنة: «إن قطرة عسل تجذب ذباباً أكثر من جالون علقم». والأمر كذلك بالنسبة للآخرين فإن أردنا أن نجذب الآخرين إلى وجهة نظرنا فلنقنعهم بأنهم أصدقاؤنا المخلصون أولاً!

إن اللطف والتودد والطيبة من أروع الأساليب التي نستطيع بها استمالة قلوب الآخرين إلينا وليس العنف والقسوة (يا أعزائي).

كان سقراط فيلسوف أثينا فتى لامعاً مع أنه قضى عمره عاري القدمين، ولقد فعل شيئاً لم يستطع حفنة من رجال التاريخ أن تفعله، لقد غير مجرى تفكير الإنسانية!! فكيف كانت طريقته؟ هل كان يخبر الناس أنهم مخطئون؟ كلا ليس سقراط من يفعل ذلك! لقد كان عاقلاً جداً ليفعل ذلك، وطريقته التي تدعى الآن «طريقة سقراط» ترتكز على استدراج الشخص الآخر لقول «نعم».. فكان يسأل أسئلة تجعل مناوئه يتفق معه في الرأي! فكان يكسب الموافقة إثر الموافقة حتى يحصل ملء ذراعه من أجوبة «نعم» ويبقى يلقي الأسئلة حتى يجد مناوئه نفسه وقد عانق النتيجة التي كان يرفضها منذ دقائق قليلة!

إذن في حواراتنا القادمة حين نريد أن نتظاهر بالذكاء ونخبر الطرف الآخر أنه على خطأ فلنتذكر سقراط العاري القدمين ونسأل أسئلة لطيفة ودية تجعل الطرف الآخر يميل لرأيك ويقول: أنا معك في الحال (يا طيب). وإذا لم يقتنع بوجهة نظرك رغم صحتها فـ(يا دار ما دخلك شر).

وهناك قصة خرافية جميلة تدل على أثر اللطف والتودد في كسب قلوب الآخرين، تقول القصة: اختلفت الشمس والريح أيهما أقوى؟ فقالت الريح للشمس: سأبرهن أنني الأقوى، هل ترين ذلك الإنسان الذي يرتدي المعطف؟ أراهن أن باستطاعتي أن أجعله يخلع معطفه أسرع منك فوقفت الشمس وراء الغيمة وبدأت الريح تهب حتى كادت أن تكون عاصفة!! وكلما اشتدت الريح كلما ازداد الإنسان تمسكاً بمعطفه، وأخيراً هدأت الريح واستسلمت، ثم خرجت الشمس من وراء الغيمة وابتسمت برفق للإنسان وسرعان ما مسح جبينه وخلع معطفه، عندئذ قالت الشمس للريح: إن اللطف والصداقة والثناء والتودد هما دائماً أقوى من العنف والقسوة والتسلط.

وأنا أجزم أن ذلك الإنسان لو استطاع أن يطبع على خد الشمس الودودة قبلة لفعل!

في النهاية نتمنى أن يسود الحوار البناء ثقافتنا وأن نزرع بذوره في أذهان أطفالنا، وأن يكون هناك دورات للآباء والأمهات وجميع أفراد المجتمع لترسيخ مبادئ الحوار في النفوس والعقول فلقد سئمنا الجعجعة والنباح والصوت العالي.

فاصلة:

جامِلِ الناس تَحُز رِقَّ القلوبِ

رُبَّ قيدٍ من جميل وصنيع

ندى الشهري

وحدة الإشراف والإرشاد

 
 
  imag