الجزيرة العربية: تاريخ وحضارة
د. عبدالعزيز صالح الهلابي
ظل القدر الأكبر من تاريخ الجزيرة العربية وحضاراتها القديمة سرا مغلقا إلى عهد قريب حتى تم التمكن من حل قدر ضئيل من هذا السر، بفضل فك بعض رموز الكتابات القديمة فيما عثر عليه من نقوش، وكان السبق في ذلك للباحثين الأوربيين. وقد كشفت لنا هذه النقوش بعض الجوانب من الحضارات التي قامت في الجنوب الغربي وغربي الجزيرة العربية كحضارات سباء ومعين وقَتَبان ودادان. لكن الاكتشافات الحديثة لأقدم نصوص للكتابة العربية الحالية جاءت من الشمال وبخاصة سوريا مما يطرح التساؤل: أي حضارات الجزيرة العربية أقدم التي قامت في الجنوب أم تلك التي قامت في الشمال؟ في تقديري أن الإجابة عن هذا السؤال فيها قدر من المجازفة، لأنه قد تكون قامت حضارات في الشرق أو الوسط لا نعرف عنها شيئا أقدم من تلك الحضارات. وانقطاع التواصل الحضاري بين حضارات الجنوب الغربي وبين عصر ما قبل الإسلام أمر لافت حتى أن الذاكرة الشعبية لم تحفظ لنا شيئا عنها ولو بشكل أساطير كما في حال جُرهُم حكام مكة أو قبيلتي طسم وجديس في منطقة اليمامة، بل إن مملكة كندة في وسط الجزيرة العربية مع قرب عهدها من الإسلام وآخر أفراد الأسرة الحاكمة فيها هو الأمير الشاعر امرؤ القيسي يكتنف تاريخها الكثير من الغموض.
وإذا كان ذلك حال تاريخ الجزيرة العربية القديم فما حاله في الإسلام؟ الإسلام دين علم ومعرفة غَـيّر العرب ونقلهم من حال إلى حال كما غَـيّر مجرى التاريخ. انطلقت دعوة الإسلام من "المدينة" ولم يلبث أن تم في فترة وجيزة توحيد الجزيرة العربية كلها تحت كنفه لأول مرة في التاريخ المعروف، ثم امتد لما وراء الجزيرة وفي أقل من عقد من الزمن ضم أراضي وشعوب الإمبراطورية الساسانية وولايات واسعة من الإمبراطورية البيزنطية أعظم قوتين في ذلك العصر.
تم ذلك بجهود أبناء الجزيرة العربية الذين حملوا على عاتقهم نشر رسالة الإسلام، واستقروا في المناطق المفتوحة لتعليم أهلها الإسلام وإدارة الدولة. نتيجة لهذه التحولات الكبرى كان لا بد من انتقال عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة لتكون في قلب مناطق الفعاليات، وترتب على ذلك كله نوع من الفراغ السكاني وتراجع دور الجزيرة العربية شيئا فشيئا لدرجة الإهمال بل النسيان في بعض المناطق باستثناء المدينتين المقدستين مكة والمدينة شرفهما الله. مع ذلك فحتى مكة والمدينة لم يلقيا من العناية بتاريخهما ما هما حقيقتان به، فبعد كتاب المؤرخ المكي الفاكهي المتوفى بحدود سنة 278هـ/891م "أخبار مكة" نشهد انقطاعا في كتابة تاريخ مكة لخمسة قرون حتى جاء المؤرخ المكي الفاسي المتوفى سنة 832هـ/1428م. لقد أرقت هذه الحال المتخصصين من السعوديين بقسم التاريخ بجامعة الملك سعود وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري واقترح هو أن أفضل السبل آنذاك هو إقامة سلسلة دورية من الندوات العالمية تبحث في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها فتشكل فريق للإعداد لهذا الغرض، أتشرف بأن كنت أحدهم، وعقدت الندوة الأولى في جمادى الأولى 1397هـ/أبريل 1977م وحققت نجاحا كبيرا ونشرت أبحاثها في مجلدين ثم توالت دوراتها، وسوف تعقد بإذن الندوة العالمية السابعة في الأسبوع الثالث من هذا الشهر بمشاركة نخبة من الباحثين من المملكة العربية السعودية ودول الجزيرة العربية وباحثين عرب وأجانب.
ولعل من حسن الطالع أن يصادف ذلك الإعلان عن قيام كرسي صاحب السمو الملك سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية بجامعة الملك سعود ودارة الملك عبدالعزيز وسوف يشكل الكرسي من خلال رسالته وتنفيذ برامجه من أبحاث وندوات مع الندوة العالمية لتاريخ الجزيرة العربية ومع الجمعية السعودية التاريخية وجمعية الدراسات الآثارية السعودية منظومة عمل متكاملة للنهوض البحثي والميداني بتاريخ وحضارة الجزيرة العربية.